|
رعية عين الجرن أولاً: تقع قرية عين الجرن في الجهة الجنوبية الشرقية من صافيتا، وتبعد عنها مسافة سبعة كيلو مترات، ويخترقها طريق عام معبد سياحي، يصل إلى بلدة مشتى الحلو، ماراً بقرية عيون الوادي حتى حمص وحماه، ويقع هذا الطريق في الجهة الشمالية الغربية للقرية. تربض قرية عين الجرن في السفح الغربي لجبل ضهر مطر، الذي يرتفع عن سطح البحر 312 متراً تقريباً، وتبدو القرية مرتفعة بالنسبة لما حولها من أرض وسهول، حيث يمتد السهل من جهتي الغرب والجنوب حتى البحر الأبيض المتوسط، وخليج عكار وجبالها المكللة بالثلوج. وتستطيع أن ترى مدينة طرابلس بالعين المجردة عندما يكون الجو صافياً. وإذا تمعن المشاهد فيما حوله، فإنه يرى عدداً كبيراً من القرى المجاورة فمن الشمال تطل مدينة صافيتا الجميلة، يتزعمها برجها الأبيض العملاق، الذي لا يزال ببهجته وجدته يقف شامخاً متحدياً الزمن والأيام، حيث يبهر الناظر بجماله وجلاله وعظمته. وتتناثر حولها قرى كثيرة. وإذا ما أرادت أن تتمتع بحديقة هذه القرية التي تحيط بها مباشرة، وأصغت السمع، سمعت أنغام مياه نهر قريب هو نهر الأبرش العريق الدائم الجريان - الذي بني عليه سد نهر الأبرش المسمى /سد الباسل/، والذي يعتبر ثاني سد بالنسبة للسدود السورية – ويتجه النهر بمجراه من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي، محاطاً بأشجار الحور والصفصاف، وجنائن الليمون والبرتقال، متجهاً نحو البحر، ناشراً حوله الخضرة والحياة، وحيث يحتمي بقرية فصل الربيع طوال أيام الصيف والخريف. تمتد القرية ببنائها من الشمال وحتى الجنوب بطول حوالي ألف ومائتي متراً، يخترقها طريق معبد يقسمها إلى قسمين شرقي وغربي. وفي الجهة الشمالية والوسطى من القرية يقع نبع /عين الجرن/ الغزير والدائم، وهو ذو مياه عذبة صحية، وقد سميت القرية باسم ذلك النبع /عين الجرن/. ولا يزال سكان القرية وبعض القرى المجاورة تشرب من مياه هذا النبع رغم وصول مياه الدولة، عبر القساطل إلى كل بيت من بيوتها. وسمي النبع بعين الجرن لأن المياه جرَّت عبر قنوات فخارية إلى مزراب منحوت من حجر أسود جميل، على شكل /منقار الطير/، يصب في جرن من الصخر الأسود المنحوت، وهذا الجرن يصب بحوض أكبر منه، تخرج منه المياه لري مدينة /عاصون/ سابقاً والبساتين المحيطة به. أما شجرة الزيتون المقدسة، فقد عرضت جمالها وماضيها العريق، أمام القرية الناظرة إليها بعيون الحب والبركة، فأن نظرت ومن جميع الجهات ترى غابات الزيتون الواسعة الممتدة إلى ما بعد الأفق وحتى البحر، وقد اصطفت في خطوط مستقيمة كأنها الجنود في ساحات التدريب، واعدة بالزيت المقدس، الذي ينسكب من معاصر أيلول وتشرين كأنه ماء الحياة. ثانياً: السكان: يسكن قرية عين الجرن عشر عائلات هي /بيت خلوف - ديب - حداد- مسوح- عيسي- صابرين- اللاطي- عبدالله- خليل- يوسف/ ويقال أن جميع هذه العائلات من أصل غساني التي كانت تمتد مملكتها شرقي نهر الأردن والعاصي في القرن السادس وهي قبائل عربية أصيلة كان لها عزّ ومجد. ويبلغ عدد سكان قرية عين الجرن حالياً /1500 /نسمة يقطنون فيها بشكل دائم. والمهاجرون عنها ضمن القطر وخارجه. وكان عدد سكانها /190/ نسمة عام 1925 حسب الاحصاء في عهد الانتداب الفرنسي. ويعمل سكانها في مختلف المهن الزراعية والصناعية والتجارية، وأصبح عدد منهم يشغل بعض الوظائف في الدولة وخاصة بعد عام 1960م أما بالنسبة للثقافة والعلم فقد أحدثت فيها مدرسة ابتدائية عام 1951 بعد الاستقلال، وكان سابقاً يتعلم أبناؤها على أيدي معلمي الكتاتيب، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة فيها إلى العدد القليل، وإن أول معلم للكتاتيب فيها اسمه /ابراهيم حنا نصرالله/ و /ابراهيم خلوف/ و/ داؤود الحلو/ وغيرهم وغيرهم. وكان كتابا /المزامير/و/الإنجيل/ هما كتابا المتعلمين.
ولكن الأمر تغير كثيراً الآن
فيوجد في القرية أكثر من عشرة أشخاص من حملة /الدكتوراه/ وأكثر من مئة من حملة
الليسانس 000 ناهيك عن جملة المعاهد الكثيرين، ولم يعد فيها أمي واحد. ثالثاً: كنيستها مار ميخائيل: إن سكان قرية عين الجرن مسيحيون /روم أرثوذكس/، ولم يكن في القرية كنيسة حتى عام 1966، نظراً لضعف الحالة الاقتصادية من جهة، ولوجود كنيسة مجاورة في قرية السيسنية كانوا يصلون فيها، حيث كانوا قد اشتركوا في بنائها مع أهالي تلك القرية. وفي عام 1966 تبرع بعض المهاجرين في البرازيل ومنهم جبرائيل كيخو خلوف ببناء الكنيسة الموجودة حالياً، والتي بنيت في الجهة الجنوبية الشرقية من القرية، على قطعة أرض مساحتها تزيد عن هكتار، وهي كنيسة بسيطة ومتواضعة، قام بعض سكان القرية وبعض المتبرعين بتحسينها، و غرسوا حولها أشجار الصنوبر والسرو، وأصبحت كأجمل ما تكون، في وسط غابة خضراء جميلة، يزينها رنين جرس حنون، تتردد أنغامه في نواحي هذه القرية، فتبعث الدفء والإيمان، والمحبة والأخاء في نفوس الجميع، وقد تناوب في خدمة رعيتها عدد من الكهنة المحترمين وحتى الآن، حيث تقام حفلات الأعياد، والزواج، والتعميد والصلوات فيها وبجوارها، ومن الجدير بالذكر أن أهالي قرية عين الجرن يتمسكون بمضمون المسيحية من /حب للناس- وتقدير للإنسانية، والعمل من أجل أن يعم الخير والسلام والمساواة/ أبناء وطنهم جميعاً،والإنسانية أيضاً، أكثر من الشكليات. لأن الغيرة في المضمون والممارسة فليس كل من يقول: /يا رب! يا رب!/ يدخل ملكوت السموات، كما قال السيد المسيح رسول المحبة والسلام. رابعاً: كنيسة عاصون: تقع كنيسة/عاصون/ كما يقال لها غربي القرية على مسافة ألف متراً، ويصلها بالقرية طريق عام ترابي، يتراوح عرضه بين الثلاثة والأربعة أمتار. لم يبقى من عاصون سوى بناء هيئة قبو عقدي بجدرانه الأربعة، حيث يبلغ علوه أربعة أمتار، وطول ضلعه ستة أمتار، ابتعدت جدرانه عن بعض، ويعرف هذا البناء عن أهل القرية والقرى المجاورة ب /كنيسة عاصون/. أما حجارته فهي من الحجر الأسود النظيف والمنحوت؛ المطموس بالكلس، ويبلغ سمك الجدار حوالي مترين. ومن يتأمل هذه الكنيسة وما حولها من مبان مهدّمة لا تزال أساساتها ظاهرة للعيان، يعرف عراقة هذه البلدة ومجدها القديم، وكيف دارت بها الحوادث والحروب، وجعلتها أثراً بعد حين. حجارة سوداء، منحوتة ناعمة،أوجهها مستطيلة أو مربعة، وكأن من سوَّها كان من أمهر الفنانين المعماريين. وتنتشر بقايا الأبنية على مساحة تزيد عن عشرة هكتارات مربعة، وحول المدينة المهدمة توجد آبار لجمع الماء الذي جُرَّ إليها من نبع عين الجرن بقنوات فخارية. وحولها مقابر قديمة منتشرة جنوبها وشمالها. ولعدم الاهتمام بآثار هذه الكنيسة بدأ الناس ينقلون حجارتها الجميلة منها ومن الخرائب المجاورة لها ليبنوا بها بيوتهم، وهكذا رصعت حجارها الأثرية كثيراً من منازل قريتي عين الجرن والسينية وسلاسل العقارات المجاورة، فغدت خربة مهدّمة، لا يمكن التعرف إليها لولا وجود بقايا هذه الكنيسة التاريخية، والتي لا تزال حتى الآن متحدية الزمن بصمودها. (من كتاب تاريخ قرية عين الجرن للمحامي ناجح خلوف)
|
|
|